الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
450
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
« من استبد برأيه هلك » في ( كامل الجزري ) غزا سيف الدولة سنة ( 349 ) بلاد الروم في جمع كثير ، فأثّر فيها آثارا كثيرة وأحرق وفتح عدّة حصون وأخذ من السبي والغنائم والأسارى شيئا كثيرا ، وبلغ إلى خرشنه . ثم إنّ الروم أخذوا عليه المضايق ، فلمّا أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس : إنّ الروم قد خلّفوا الدرب خلف ظهرك فلا تقدر على العود منه والرأي أن ترجع معنا ، فلم يقبل منهم - وكان معجبا برأيه يحب أن يستبد ولا يشاور أحدا لئلّا يقال : إنهّ أصاب برأي غيره - وعاد في الدرب الذي دخل منه ، فظهر الروم عليه واستردّوا ما كان معه من الغنائم وأخذوا أثقاله ووضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلا وأسرا ، وتخلّص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد ومشقة ، وهذا من سوء رأي كلّ من يجهل آراء الناس العقلاء ( 1 ) . « ومن شاور الرجال شاركها في عقولها » في ( الأغاني ) قال بشار في قصيدته التي مدح أولا بها إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن وهجا منصورا ، ثم لمّا قتل إبراهيم بدّل في الأبيات من أبي جعفر أبا مسلم وحذف الأبيات التي لا تنطبق إلّا على إبراهيم فجعلها في مدح المنصور وهجو أبي مسلم : إذا بلغ الرأي المشورة ( 2 ) فاستعن * برأي ( 3 ) نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة * فإنّ ( 4 ) الخوافي قوة للقوادم وما خير كيف أمسك الغل أختها * وما خير سيف لم يؤيّد بقائم ( 5 ) وروى عن الأصمعي قال : قلت لبشّار : إنّ الناس يعجبون من أبياتك في
--> ( 1 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير 8 : 531 - 532 . ( 2 ) نسخة التحقيق « النصيحة » بدل من « المشورة » . ( 3 ) نسخة التحقيق « بعزم » بدلا من « برأي » . ( 4 ) نسخة التحقيق « مكان » بدلا من « فان » . ( 5 ) الأغاني للأصفهاني 3 : 214 ، وذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 : 33 .